عامر النجار

41

في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية

المختلفة ، وتنفتح إلى أديان جديدة وعقائد غريبة تثير مناقشات لا تنقطع حول الفلسفة وتفسير النصوص . ولذا فقد تميزت هذه الحقبة بالصراع المستمر بين الواقعية والصوفية من ناحية وبين التشكك والإيمان بأعجب الخرافات من ناحية أخرى . . . وقد عاد الطب تحت ظل البطالمة من اليونان إلى موطنه الأول بمصر . ولما كانت لغة البطالمة هي الإغريقية وهي لغة العالم المتمدين في ذلك الوقت ولئن أصبحت تلك اللغة كذلك لغة مصر الرسمية ، واتخذ علماء مصر لأنفسهم أسماء ذات رنة إغريقية ، ثم إن أغلبية السكان الساحقة في مدينة الإسكندرية كانوا من المصريين الأصليين ، الواثقين من عراقة أصلهم وأصالة محتدهم وثوقا يجعلهم يفخرون بتراث ماثل في أذهانهم ، وبذلك تشهد ثوراتهم العنيفة ضد بيزنطة ، وانشقاقهم على مذاهبها الرسمية ، واعتناقهم المذهب اليعقوبي القائل بتوحيد الطبيعة ، وتحملهم في أثر هذا أشنع اضطهاد ، بل إن الدين المصري القديم اكتسح في الإسكندرية الدين الوثني اليوناني وجعل منه خليطا تغلب فيه الصبغة المصرية « 1 » . . . وقد لعبت مدرسة الإسكندرية دورا كبيرا في تطور ، الطب بخاصة التشريح فالمدرسة القديمة بالإسكندرية التي ازدهرت في عهد البطالمة الأولين ( النصف الأول من القرن الثالث قبل الميلاد ) هي التي جعلت من الممكن لأول مرة إجراء فحص شامل لبناء الجسم البشرى . . . فلقد سبق أن قام أبقراط وتلاميذه ، وغيرهم من الأطباء ببحوث تشريحية إلا أن بحوثهم لم تكن أبدا على مثل ذلك الترابط ولا طريقتهم بمثل ذلك من الجودة ، إذ امتاز عصر الإسكندرية بالحرية في العلم وكان من المسموح به لعلماء التشريح أن يقوموا بالتشريح العملي بقدر ما كان يحلو لهم . وكان العمل داخل معهد العلوم لا يخضع إلا لإشراف الملوك وحدهم

--> ( 1 ) تاريخ العلوم : جورج سارتون ج 4 ص 238 .